November 2, 2019

July 12, 2019

December 26, 2018

December 18, 2018

December 16, 2018

Please reload

Recent Posts

A Usual Weekend Night

November 2, 2019

1/10
Please reload

Featured Posts

سبائك الذهب

 

تتميز هبة بالحركة الزائدة والنشاط المستمر الذي لا ينتهي، عيناها العسليتان تدوران يمنة ويسرة لمدّ يد العون للجميع، وتهب للمساعدة فور سماع اسمها.. شعرهاالأشقر الطويل ينساب دومًا على ظهرها، كم كانت تحب سماع كلمات الإطراء من والدها وهو يتغنّى بنعومة شعرها الذهبي الذي لا يختلف لونًا ولا غلاةعن الذهب الذي يبيعه في متجره، وعلى الرغم من ذلك تعود وتسأله: 

 

بابا بتحب شعراتي؟

 

فيغمرها في حضنه ويقبلها بحرارة وحنان، تعشق الاستيقاظ معه باكرًا وقضاء "الصبحية" على الشرفة، وتأمل شروق الشمس الدافئة، لتمطره بأسئلتها الفضولية التي لا تنتهي، ثم تنصت إليه بإعجاب وهو يرد على جميع تساؤلاتها.

 

سألته يومًا بعد أن اصطحبها إلى متجره طيلة نهار كامل: 

 

بابا ليش بتشتريالذهب المكسور؟

 

بشتريه لذوبه واعمل منه سبايك 

 

شو يعني؟

 

اليوم إن شاء الله باخدك معي لتشوفيه بعينك

 

اشتعلت فيها روح الحماس للذهاب معه، لكنه أخبرها أنه سيعود في فترة الظهيرة مع كمية "الذهب الرملي" كما يسميه أي "الذهب المكسور" ثم يذهبا إلى "البيت التحتاني" وهو بيت يفصله عن بيتهم شارع واحد فقط، وهو عبارة عن مبنى قديم يتألف من طابقين يشغل الطابق الأول أسرة تتألف من أربعة وعشرين ولدًا وبنتًا، وكانت هذه العائلة حديث المنطقة لكثرة أبنائها، أما الطابق الأرضي فقد استأجره والدها ووضع فيه الفرن ليستطيع صب الذهب بسهولة في مكان مفتوح كي لا تؤذي الرائحة المنبعثة أحدًا، فالبيت له "أرض ديار" كما يسمونها، وهو فسحة كبيرة تابعة للمنزل تعتبر كحديقة مفتوحة، يكون القسم الأكبر منها مرصوفًا وعلى الجوانب أحواضٌ مليئة بالأشجار والنباتات والأزهار المختلفة وتتوسطها بركة ماء، عادة ما يمضي الأولاد جُلّ وقتهم فيها يلعبون، لكن هنا لا يوجد أحد ليعتني بأرض الديار أو بالبيت نفسه، إذ كان استعماله محصورًا كمستودع لمستلزمات المتجر وفرن لصب السبائك. 

 

جلس الوالد على مكتب قديم متسخ عليه معدات حديديّة كثيرة، أخرج الحقيبة التي تحتوي على كمية الذهب ليحضّره للتذويب، وبمهارة الخبير العالم بمهنته أمسك الكماشة وبدأ يزيل الأحجار الكريمة عن قطع الذهب ليخلص بعضها عن بعض، فالذهب قابل للتذويب أما الأحجار فلا، أعجبتها الفكرة وأمسكت كماشة أخرى وبدأت بمساعدة والدها، وبعد ساعة من العمل أصبحت كمية الذهب جاهزة لوضعها في الفرن الذي أوقده فور دخولهم البيت التحتاني كي تكون الحرارة فيه مناسبة لهذه العملية. وبعد وضع الكمامة اللازمة، التقم الوالد الإناء بمقبض حديدي طويل بعد أن وضع الذهب فيه وأدخله إلى الفرن، وقفت هبة تنظر إلى الوعاء داخل الفرن فرحة بمشاهدة مراحل تحول لون الذهب من الأصفر البرّاق إلى اللون القاتم وصولًا إلى لون أصفر مشعّ تعلوه حمرة برّاقة، وما لبث أن بدأ الذهب بالغليان فظهرت الفقاعات وهي ترمي بشررها على السطح، كم هو جميل هذا اللون الذي يذكر بالشمس المتوهجة! وبعد نصف ساعة من الزمن أدخل الوالد المقبض الحديدي مجددًا ليتناول الوعاء، ثم أخرجه وصبّ السائل في قوالب مجهزة لكيلو غرام واحد من السبائك.

 

بعد ما يبرد مناخد الذهب لنْشَشْنه

 

نعم؟ ششنه شويعني؟

 

ششنه هي كلمة تركية بتعني أنه آخده لأتأكد من نضافته ونقاوته وحطلوه عياره الصحيح، وهالعيار هو يلي بيبين نظافة الذهب من الشوائب.

 

كم كانت سعادة هبة كبيرة في هذا اليوم! فهي قد تعلمت عبارات جديدة أضافتها لنهمها الفضوليّ. طلب والدها منها أن يعودا إلى البيت ليأخذا قسطًا من الراحة ريثما تبرد هذه القوالب جيدًا، وما إن وصلوا حتى تذكر الوالد بأنه نسي حقيبته هناك، فطلب من ابنه الأكبر النزول ليجلبها له، أصرّت هبة على مرافقة أخيها وكانت شديدة الحماس لأنها ستعود إلى "البيت التحتاني" وهي تنتعل "قبقابها" الجديد، وهو الحذاء الخشبي المزخرف، إلا أن أخاها لم يسمح لها بالاقتراب من السبائك لرؤيتها مجددًا، إذ كان يهاب هذا البيت كثيرًا فأخذ الحقيبة مسرعًا وخرجا من البيت. 

 

كان الوالد يقف على شرفة الطابق السابع مع الأم لمراقبة طفليها أثناء هذه المهمة، وأثناء انشغالهما بالحديث حدث ما لم يكن بالحسبان، إذ رأت هبة جارتهم الحاجة أم محمد وهي تحمل أكياس الخضار عائدة من السوق، فما كان منها إلا أن أفلتت يد أخيها وركضت لمساعدتها فعبرت الطريق دون أن تتأكد من خلوه لحظة مرور سيارة "بيجو" بيضاء مسرعة، علا صراخٌ فجأة، تلاه صوت ارتطام جسدها بالسيارة وسقوطه أرضًا، نظر الوالدان إلى الحادث المريع الذي حدث للتو أمامهما، فقالت الأم قبل أن تدرك ما جرى لابنتها:

 

يا حرام هالولد الأشقر، الله يعين أهله على هالمصيبة.

 

هنا دوت صرخة الوالد التي سمعها أهل الحي جميعًا: 

 

هبة!!!

 

وبلمح البصر كان الوالد يخرج صغيرته من تحت السيارة ويضعها على حصنه ليتفقد جسدها من الإصابات، بينما كانت تصرخ: 

 

بدي قبقابي عطوني ياه.

 

 

 

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

Follow Us

I'm busy working on my blog posts. Watch this space!

Please reload

Search By Tags
Please reload

Archive
  • Facebook Basic Square
  • Twitter Basic Square